
الدعَاءُ فِطْرَةٌ تَكْوِيْنِيةٌ
هناك مشاعر تكوينية تحكم الإنسان وتسيطر عليه من دون قصد أو شعور، كالفرح والسرور، والخوف والحزن، فمهما اجتهد الإنسان في إخفاء تلك المشاعر فلا بدّ وأن تخرج عن سيطرته معهما كان واعياً ومتنبّهاً.
والدعاء لدى الإنسان كغيره من القوى الفطرية التي خرجت معه يوم ولادته، وتماشت معه يوماً بيوم وساعة بساعة.
وقد يتكبر الإنسان، ويعاند، ويجحد خالقه، ويكفر بوحدانيته، إلى أن يحاط بظرف قاهر يجبره على العودة إلى الأصل الذي لا يستغني عنه المخلوقون، كأولئك الجاحدين الذين ركبوا السفينة وأبحروا في عرض البحر، فعرضت لهم عاصفة شديدة كادت تودي بحياتهم، فهنالك دعوا الله مخلصين بعد أن كانوا به جاحدين، وتحركت قوة الفطرة بداخلهم فاستجاب لهم ونجاهم ليكشف للناس عن جوهر تلك القوة المودعة فيهم، والتي تدلهم عليه في حالات خاصة، وتثبت كونه موجوداً وواحداً، وقد أشار القرآن إلى هذه الحادثة في سورة يونس حيث يقول(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)
لقد استفدنا من هذا الدرس القرآني أكثر من فائدة:
الفائدة الأولى: وهي الدلالة على وجود قوة الفطرة فينا، والتي نكاد نؤمن بعدم وجودها بسبب خفائها، وهي رغم ذلك موجودة في داخلنا بقوة، وتتحكم بنا وبتصرفاتنا في حالات كثيرة، وهي نعمة من نعم الله علينا، لأنها تشكّل عامل الصلة بيننا وبينه، وتدلنا عليه وترشدنا إليه.
واللافت في الأمر أنّ هذه القوة تتحرك غالباً عند نزول البلاء، فيشعر الإنسان بأن هناك قوة غيبية تقدر على إنقاذه دون المخلوقين، فهي أهم دليل من الأدلة الكاشفة عن القدرة.
الفائدة الثانية: وهي أنّ الإنسان ظلوم وجهول ومجرم في حق نفسه، وجاحد لحق ربه رغم ضعفه وافتقاره، فهو بدل أن يشكر الله عز وجل على نعمه المتتالية وآلائه الكبرى فإنه يكفر ويجحد وينسى ويدير مسامع قلبه وأصول أذنه للشيطان الغوي، فهؤلاء الذين أنقذهم ربهم من الغرق في عرض البحر عادوا إلى الكفر بعد أن وصلوا إلى بر الأمان.
الفائدة الثالثة: تحريك أنوار الموعظة في داخلنا كيلا يصيبنا ما أصاب القوم، وننسى الله ونكفر به بعد أن منّ علينا بالنجاة في وضع لم يكن باستطاعة أحد من المخلوقين أن ينقذنا منه.
فهذه القوة(الفطرة) أصبحت واضحة الظهور رغم خفائها، وذلك بسبب ما كشفه القرآن عنها، وكذا الأنبياء الذين انحصرت وظائفهم في تحريك تلك الفطرة الممودعة فيهم، وفي ذلك قال أمير المؤمنين(ع): فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ: أي أنّ الأنبياء(ع) لم يأتوا بأمرٍ بعيد عن القلوب وغريب عن الأذهان، بل راحوا يحركون آثار تلك القوة في داخل الناس ليُرجعوهم إلى الأصل الذي وُلدوا عليه، وهو فطرة التوحيد.
وفي الإشارة إلى هذه القوة المودعة في الإنسان قال تعالى(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) وقال سبحانه في بيان ذات النتيجة(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
ولهذا يمكن الجزم بأن الإنسان مفطور على الدعاء كما كان مفطوراً على التوحيد، والدليل عليه أن كثيراً من غير المؤمنين يستعملون الدعاء في ظروف معيّنة وبطرق عديدة، حتى الطفل الصغير يستعمل هذا الأمر في بعض الأحيان، وخصوصاً عندما يشعر بالخطر أو الأذى، وربما يطال هذا الأمر غير الإنسان من المخلوقات الحساسة.
الشيخ علي فقيه



